المقريزي

53

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

والإفرنج ، وسواحل الشام والثغور إلى حدود العراق ، وثغر إسكندرية فرضة أقريطس وصقلية وبلاد المغرب ، ومن جهة الصعيد يحمل إلى بلاد الغرب والنوبة والبجة والحبشة والحجاز واليمن ، وبمصر عدّة من الثغور المعدّة للرباط في سبيل اللّه تعالى وهي : البراس ورشيد والإسكندرية وذات الحمام والبحيرة واخنا ودمياط وشطا وتنيس والأشتوم والفرما والواردة والعريش وأسوان وقوص والواحات ، فيغزى من هذه الثغور الروم والفرنج والبربر والنوبة والحبشة والسودان . وبمصر عدّة مشاهد وكثير من المساجد ، وبها النيل ، والأهرام والبرابي والأديار والكنائس وأهلها يستغنون بها عن كل بلد حتى أنه لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسوره لاستغنى أهلها بما فيها عن جميع البلاد . وبمصر دهن البلسان الذي عظمت منفعته ، وصارت ملوك الأرض تطلبه من مصر ، وتعتني به وملوك النصرانية تترامى على طلبه ، والنصارى كافة تعتقد تعظيمه وترى أنه لا يتم تنصر نصرانيّ إلا بوضع شيء من دهن البلسان في ماء المعمودية عند تغطيسه فيها ، وبها السقنقور ومنافعه لا تنكر وبها النمس والعرس ، ولهما في أكل الثعابين فضيلة لا تنكر فقد قيل : لولا العرس والنمس لما سكنت مصر من كثرة الثعابين ، وبها السمكة الرعادة ونفعها في البرء من الحمى إذا علقت على المحموم عجيب ، وبمصر حطب السنط ، ولا نظير له في معناه فلو وقد منه تحت قدر يوما كاملا لما بقي منه رماد ، وهو مع ذلك صلب الكسر سريع الاشتعال بطيء الخمود . ويقال : إنه أبنوس غيرته بقعة مصر فصار أحمر . وبها الأفيون عصارة الخشخاش ، ولا يجهل منافعه إلا جاهل ، وبها البنج وهو ثمر قدر اللوز الأخضر كان من محاسن مصر إلا أنه انقطع قبل سنة سبعمائة من الهجرة ؛ وبها الأترج . قال أبو داود « 1 » صاحب السير في كتاب الزكاة : شبرت قثاءة بمصر ثلاثة عشر شبرا ، ورأيت أترجة على بعير قطعتين ، وصيرت مثل عدلين . قال المسعودي في التاريخ : والأترج المدوّر حمل من أرض الهند بعد الثلاثمائة من سني الهجرة ، وزرع بعمان ، ثم نقل منها إلى البصرة والعراق والشام ، حتى كثر في دور الناس بطرسوس ، وغيرها من الثغور الشامية ، وفي أنطاكية وسواحل الشام وفلسطين ومصر ، وما كان يعهد ولا يعرف فعدمت منه الأراهج الحمراء الطيبة ، واللون الحسن الذي كان فيه بأرض الهند لعدم ذلك الهواء والتربة وخاصية البلد . وفي مصر معدن الزمرد ، ومعدن النفط والشب والبرام ومقاطع الرخام ، ويقال : كان بمصر من المعادن ثلاثون معدنا ؛ وأهل مصر يأكلون صيد بحر الروم ، وصيد بحر اليمن طريا لأن بين البحرين مسافة ما بين مدينة القلزم ، والفرما ، وذلك يوم وليلة ، وهو الحاجز المذكور في القرآن قال تعالى : وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً [ النمل / 61 ] قيل : هما بحر الروم ، وبحر القلزم ، وقال تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ [ الرحمن / 19 ] . قال بعض المفسرين : البرزخ ما بين القلزم والفرما .

--> ( 1 ) هو سليمان بن الأشعث أصله من سجستان رحل رحلة كبيرة . له كتاب ( السنن ) وغيره . ولد سنة 202 ه وتوفي سنة 275 ه . الأعلام ج 3 / 122 .